الاخبار:: فاطمة خشاب درويش السبت 25 تموز 2026
في حربَيْ 2024 و2026 غابت المؤسسات التجارية والصناعية عن جداول التعويضات الرسمية وغير الرسمية، ولا يزال ملف الخسائر التي بهذه الفئة المُنتِجة في البلدات الجنوبية خارج دائرة الاهتمام الرسمي، في ظل تركيز المتابعة غالباً على الأضرار التي أصابت الوحدات السكنية، فيما بقيت خسائر أصحاب المؤسسات بما تمثّله من استثمارات ورؤوس أموال وفرص عمل ودورة اقتصادية محلية من دون مسار واضح للحصر والمعالجة.
في جولة ميدانية لـ«الأخبار» في بلدة عربصاليم الجنوبية لرصد واقع المؤسسات التجارية فيها، وهي إحدى بلدات منطقة إقليم التفاح الجنوبية، والتي تضم نحو 50 مؤسسة متنوّعة بين الإنتاج والتجارة والخدمات تخدم أبناء البلدة والقرى المحيطة بها، تظهر ضخامة حجم الأضرار مقابل الجهود الفردية المبذولة لإعادة تشغيل المصالح في غياب المسح الرسمي الشامل للخسائر التجارية.
على سبيل المثال، يقدّر محمد ظاهر خسائره بمليون ونصف مليون دولار، يقول إنّها «تحت الركام الذي دفن مجمعه التجاري»، فيما يشير صاحب «مؤسسة الطيب للأجبان والألبان» إلى أنّ خسائره بلغت نصف مليون دولار، بينما وصل حجم الأضرار في معمل «TK juice» إلى 200 ألف دولار. هنا يرى الخبير الاقتصادي حسن مقلد أن «استهداف المؤسسات الاقتصادية لا يمكن فصله عن طبيعة الحروب التي تطاول لبنان»، مشيراً إلى أن «العدوان الأخير لم يقتصر على مواقع مرتبطة بالمواجهة العسكرية، بل طاول منشآت إنتاجية وزراعية وخدمية وبنى أساسية ترتبط بحياة الناس».
بالنسبة إلى مقلد «خسارة أي مؤسسة لا تعني خسارة صاحبها فقط، بل تمتد إلى العمال والمورّدين والأسواق والدورة الاقتصادية المحلية». إلا أن التحدّي الأكبر اليوم، وفق مقلد، يتمثّل في صعوبة حصر حجم الخسائر بسبب تنوّع الأضرار التي تشمل الأبنية والمعدّات والإنتاج وتعطّل النشاط الاقتصادي.
لذا يرى أن «إعادة النهوض تحتاج إلى خطة وطنية تبدأ بمسح شامل للأضرار وتحديد الحاجات الفعلية للمؤسسات المتضررة، خصوصاً أن أصحاب المؤسسات سبقوا أي مسار رسمي عبر محاولات الإصلاح وإعادة التشغيل». ففي منطقة تجارية حيوية في قلب عربصاليم، كان يقع المجمع التجاري العائد لمحمد ظاهر، والذي شكّل على مدى سنوات مساحة اقتصادية تضم فرناً للمعجّنات بمساحة 250 متراً مربّعاً، وملحمة مُجهّزة، وسوبرماركت ومستودعات ومرافق أخرى.
أدّت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت المكان إلى تدمير المجمع بالكامل، ولم تقتصر الخسائر على المبنى، بل طاولت الآلات والتجهيزات والمخزون والبضائع. وعلى الرغم من حجم الضرر، لم ينتظر ظاهر مسار التعويضات، بل عمل على إنشاء بديل مؤقّت لإعادة الإنتاج، فاشترى حاويتين وحوّلهما إلى مساحة فرن، وأعاد تأمين المعدّات اللازمة، انطلاقاً من أن توقّف المؤسسة يعني خسارة مصدر رزق لعائلات عدة وتعطيل جزء من الحركة الاقتصادية في البلدة. في سياق مرتبط، لم تقتصر الأضرار على المؤسسات التجارية التقليدية، بل طاولت المرافق المرتبطة بحياة الناس اليومية.
فقد دمّرت إسرائيل عمداً محطة المحروقات العائدة لإسماعيل وهبة، والذي يقدّر الخسائر بأكثر من 100 ألف دولار. ويشير وهبة إلى أن إعادة تشغيل المحطة كانت أولوية له، لأن توقّفها لا يعني خسارة مؤسسة خاصة فقط، بل تعطيل خدمة أساسية يحتاج إليها أبناء البلدة. لذا بادر إلى إصلاح الأضرار وتأمين الأموال اللازمة لإعادة العمل، مؤكداً أن استمرار المؤسسات يشكّل جزءاً من الحفاظ على الحياة الاقتصادية في عربصاليم.
أمّا المؤسسات المرتبطة بالصناعات الغذائية، فلم تسلم من العدوان أيضاً. منذ عام 1999، شكّلت مؤسسة الطيب للألبان والأجبان إحدى المؤسسات الغذائية الأساسية في عربصاليم وإقليم التفاح. في العدوان الأخير، استهدفت ضربة إسرائيلية قلب الساحة التجارية حيث تقع المؤسسة، ما أدّى إلى تدمير المبنى والتجهيزات والمخزون.
وبعد نحو أسبوع من الاستهداف، أعيد تشغيل العمل من محل أصغر مقابل المؤسسة المُدمّرة، حفاظاً على تأمين حاجات الأهالي. وفي قطاع إنتاج العصائر الطبيعية، لم تقتصر خسارة معمل «TK Juice» على الأضرار المادية، بل طاولت شبكة العمل التي بناها على مدى سنوات. فالمعمل كان يؤمّن مصدر رزق لأكثر من عشرين عائلة، ويرتبط بشبكة واسعة من الزبائن في عدد من البلدات الجنوبية. في 24 أيار الماضي، استُهدف المعمل بغارة إسرائيلية، ما أدّى إلى تضرّر نحو نصفه. ويقدّر صاحبه طه قبلان الخسائر بنحو 200 ألف دولار، تشمل الأضرار التي لحقت بالمبنى والمعدّات وأربع سيارات، بينها سيارة مُبرّدة.
لكن الخسارة الأكبر، وفق قبلان، كانت في تراجع الإنتاج وفقدان جزء من الأسواق. فالإنتاج الذي كان يصل إلى نحو 3 آلاف قنينة يومياً تراجع إلى النصف تقريباً، بسبب الأضرار، وتعذّر الوصول إلى عدد من المناطق التي كانت تشكّل جزءاً من شبكة التوزيع، فضلاً عن تضرّر محال الزبائن. ويؤكد قبلان أن المؤسسة تواصل العمل بالحد الأدنى للحفاظ على الموظفين وإعادة توسيع النشاط، على الرغم من غياب أي تعويض أو مساعدة مالية.
البلدية تحصي الأضرار
يشير رئيس بلدية عربصاليم علي حسن إلى أن البلدة تضم أكثر من خمسين مؤسسة تجارية تعرّضت لأضرار متفاوتة، وأن البلدية قامت بإحصاءات ومعاينات أولية ضمن إمكاناتها، بالتوازي مع العمل على إعادة الخدمات الأساسية ومساعدة بعض المؤسسات على إيجاد بدائل مؤقتة. لكن حجم الأضرار، وفق حسن، يفوق قدرات البلديات، ما يستدعي دعماً رسمياً يساعد على إعادة إطلاق الحركة الاقتصادية.
مولّدات الكهرباء دمّرها العدوان أيضاً
طاولت الأضرار الناجمة عن الغارات الإسرائيلية قطاع الخدمات أيضاً، إذ أدّى استهداف موقع «اشتراك الرحمة» إلى تدمير منظومة كهرباء كانت تؤمّن الخدمة لعدد كبير من أبناء عربصاليم. ويشرح صاحب الاشتراك حيدر حيدر أن «القصف أدّى إلى احتراق الموقع الذي كان يضم مولّدين بقدرة 500 و350 KVA، وثلاثة خزانات وقود تحتوي على نحو 16 ألف ليتر من المازوت، إضافة إلى الكابلات وأنظمة التحكم». ويقدّر حيدر الخسائر بنحو 300 ألف دولار، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي تعويض مالي، باستثناء مساعدات عينية من البلدية. ومنذ اليوم الأول للهدنة، بدأ بإصلاح الأضرار وإعادة تأهيل الشبكات، انطلاقاً من أن استمرار الخدمة جزء من استمرار الحياة في البلدة.

